google.com, pub-3958492363480335, DIRECT, f08c47fec0942fa0

mardi 7 avril 2015

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (04) ــزء الرابع

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (04) ــزء الرابع






كل هذه الأشياء يمكن أن تؤثر بشكل أو بأخر في سوق البيض وتضع على المحك تدبيرا منزليا دقيقا وعريقا.

كما يبني حسابه في حزم على كون ثمن بيض الرومي ضعف ثمن بيض الدجاج، وعلى من سيجد من سماسرة السوق فهم كثّر 


ومختلفون ،منهم من يبخس الناس أشياءهم مع صفاقة وجه وقلة حياء ، يحاصرك ويوقعك في حبائله ولا يدعك إلا وأنت تندب 


حظك التعيس ويومك النّحس، ومنهم من لا يبالي، يأتيك باشّا يعطيك ما تطلبه كثمن ،بل وتدركه الرأفة أحيانا فيزيدك على ما 


أملت ويجعل يومك موفور البركة والسعد.


وهكذا يغلق بإحكام ملف الحساب بعد تحديد نصيبه من الصفقة وبدون أية نسبة للارتياب مزينا ذلك بحسن طالعه ودعاء صاحبة 

البيض المبارك والذي بلا ريب مستجاب.


ويمشي مزهوّا يرفل في أحلامه ،يلوك في فمه ما تبقى من حبة الحلوى بالنعناع التي آثرته بها أمه دون إخوته ، وقد انقشع 


الظلام وبان العشب الأخضر الغض الندي تزينه أزهار الهرفيل والأقحوان والبابونج يخنق الطريق المتعرجة في انحدار ،راسما 


تقاسيم ربيع المقام بريشة سحر فاتن ،وظهرت البيوت كأشباح رابضة ،ترزأ تحت ثقل الصباح تعلوها المداخن وهي تنفث سدول 


ليل بارد طويل، وأقبلت تباشير صبح يوم جميل، تغمر عينيه وأذنيه وقلبه الصغير ورأسه الحالم بسعادة عارمة تدفع به دفعا لان


 يقطع في غير عناء ولا نصب أشواطا من الطريق الطويلة الممتدة بعيدا إلى حيث الأفق لا زالت تزينه الأضواء المتلألئة ،هناك 


حيث السوق والصخب والزحام ، والروائح والأبخرة والسيارات والدواب وكثير من الناس من متأنق ومتشرد، رائح وآت ، 


وهناك حيث الموالون والسماسرة وأطفال المدارس واللصوص الحذاق.


لكن شيئا واحدا لم يجل في خاطره، ولم يدر في خلده أبدا ، ولم يجد له منفذا إلى ترتيباته المحكمة، وتقديراته المضبوطة، ولم 


يكن يتصور أن أمرا ما صادما بغيضا يمكن له أن يعكر صفو يومه البهيج ويخلط حساباته رأسا على عقب في ثوان معدودات.


لم يكد يتجاوز "ثالة ثافواحث" حتى باغته بغدر كلب كان رابضا متخفيا، وبغير عناء أسقطه أرضا ، واختلط الطفل بتلابيبه 


وزوبعة الغبار الثائر، خادعه اللعين وخذلته ساقاه وحذاؤه بالرغم من كونه ذا نتوءات بالأسفل لطالما استعملها كنظام كبح فعال 


،كما خذلته يداه، فاليسرى كانت مدفونة في جيبه ،واليمنى كانت تمسك بعناية كيس البيض المشؤوم الذي لم يجد بدا مع هول 


المفاجأة بان يرمي به سعار الحيوان الهائج ،واختلط الكل بالتبن والبيض في وقت اختلط فيه النور والظلام مع نكهة الحظ العاثر 


واليوم الأسود المرير.


وما كاد الكلب يطبق فكيه بإحكام على عضلة ساقه حتى انتفض مصدرا فحيحا حادا ...وأفاق من غيبوبته.... ، فقد كانت أمه 


تجرب في يأس آخر حيلها في الطب، قامت بإحماء سكين حتى الاحمرار ووضعته بكل عزم ورباطة جاش على عضلة ساقه.... 


،وأخيرا انفرجت أسارير وجهها وغمغمت تحمد الله فقد نجحت وأفاق مرزوق، لكنه ظل ممددا وبقيت عينه اليسرى مفتوحة في 


عناد ،تبين انه مشلول بالكامل والمصيبة أطول بفراسخ مما تصورت المسكينة.....................................يتبع.

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (03) ــزء الثالث

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (03) ــزء الثالث





تركته على حاله ممددا وهرعت إلى غرفتها، بحثت طويلا عن تميمة ورثتها عن أمها ، لطالما استعانت بها لدفع النوازل من 

الأمراض وسوء الحظ وأعراض المس والسحر، وعندما وجدتها وضعتها جانبا ،ثم حضّرت خليطا من القطران والسّدر 

ومسحوق الفلفل الأحمر ،كما أحرقت شيئا من البخور في إناء نحاسي ،حملت جميع مستحضراتها وقفلت تتمتم راجعة إلى حيث 

مرزوق شاحبة الوجه زائغة النظرات ،لا تدري بأي شيء دهيت ولا بأي طارق ابتليت.

وضعت البخور عند رأسه ،ودسّت التميمة برفق تحت أثوابه ، ثم تناولت خليط القطران والسّدر بيدها اليسري و غمست 

أصبعين من يدها اليمنى ومسحت بهما ناصيته ومناخيره، وخطت بهما خطوطا متقاطعة حول سرته ، فعلت ذلك عدة مرات 

وشفتاها لا تفتأن تنفتحان وتنغلقان في حركة نشيطة لا تعرف الملل، في حين كان هو ماضيا قدما في غيبوبته، مغادرا منزله 

بالمقام فجر يوم ربيعّي ،سالكا الطريق مُغرّبا، قاطعا الوادي ثم معتليا هضبة "العطوي" ذات التربة البيضاء،ملتفتا من حين لأخر 

في رهبة ووجل إلى أطلال جامع "الشيخ لخضر" حاملا كيسا من البيض المخلوط بالتبن، يتفقده باهتمام وحرص بالغين بين 

الفينة والأخرى.

خمسون بيضة بالتمام، اثنتا عشرة منها بيض ديك رومي ، والباقي حصيلة النشاط الأسبوعي الدؤوب للدجاجات السبع التي 

تملكها أمه كملكية خاصة و مطلقة وسط ملكية أبيه والذي لا يكون له بأي حال من الأحوال حق التصرف أو التدخل فيها إلا بإذن 

شبه كتابي مبهم العوالم شأن كل البيوت في "المقام".

كان ينحشر بسنواته الثّماني في رداء شتوي يتقي به نسيم الصباح البارد ،وينتعل حذاء مطاطيا اسودا ذا عقب اصفر، ومع 

انحدار "انزا نوغيول" تسارعت خطواته ،وسرى دفء بمفاصله، وخدر وارتخاء بجسمه ،جعله ذلك يتفرغ بكل صفاء ذهن 

وهدوء بال –رغم فرقعة الحصى تحت قدميه- إلى أن يعيد العمليات الحسابية الخاصة ببيع البيض في دقة متناهية ،آخذا في 

الحسبان كل الاحتمالات التي يمكن أن تكون عليها بورصة البيض بسوق "الثلاثاء".

فالشتاء الطويل الموحل، وأزمة الثلج التي ألزمت الناس بيوتهم لأسابيع مريرة، وحروب الشرق الأوسط ،وقضية البلقان 

،وتداعيات موت الرئيس، والوباء الشنيع الذي تفشى في دجاج المقام وأتى فيه على أكثر من الثلث مخلفا اضطرابا في 

الميزانيات الأسرية ، وحسرات في الأنفس ،خاصة وأن نفوقه كان يحصل بشكل مأساوي حزين، تأخذ الدجاجة المكتنزة في 

صياح منكر مع بداية النهار،ثم تبدأ في نتف ريشها بجنون ،ولا يحين المساء حتى تأتي على أخره، وينقضي الليل وقد أصبحت

 جثة مزرقّة القوائم والأجنحة، حتى الكلاب والقطط تعافها بصورة مريبة ، لذا يجمع ما نفق من الدجاج في أكياس محكمة الغلق 

،ويرمى بعناية في الوادي أو يطمر اتّقاء للعدوى.........................................يتبع.

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (02) ــزء الثاني

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (02) ــزء الثاني



في تلك الليلة، وعندما كان مرزوق يعالج تكة سرواله بعد إحكام خياطته وتوظيبه للبسه في اليوم الموالي الذي يوافق بداية 

الأسبوع أحس بالنعاس يداعب أجفانه فأطفا النور وتداعى فوق السرير،وما كاد يفعل حتى تناهى إلى سمعه نباح مجنون للكلاب 

في الخارج وهمهمات تغزو أذنيه ،وقطعة قش كانت تلهو بها الريح في الشرفة المجاورة ،فرك عينيه بامتعاض وتحامل متثاقلا 

نحو النافذة ليستطلع الأمر ،أزال الستار المشرشف ،وطفق يعالج مزلاج النافذة ،في حين راحت ذبابة من الحجم الكبير تندس 

بين طيات الستار متوارية، وما إن انفرجت الدفتان بمقدار بوصة حتى انتهى كل شيء ،غزا وميض عينيه وسرى تيار من قفاه 

إلى أطراف أصابع يده اليسرى، وأحس بطعم في حلقه يشبه إلى حد ما طعم نقاعة الجرجير، ثم تهاوى بكل ثقله ممددا تحت 

النافذة.

ستة وسبعون كيلو من اللحم والشحم عدا الأحشاء والعظم ،والعشاء الدسم الذي تناوله جذلانا تلك الليلة ،أضف إليها ثقل 

الثلاثين سنة وحشو أسنانه الفضي من غير أن نخلط وزن الذهب الخالص ذي العشرين قيراطا الذي يكسو في أبهة إحدى 

أضراسه ،هذا بالإضافة إلى هم كساد السوق الذي أثقله منذ أيام فقد تدنت أسعار "القرابوج" ولم يعد ثمة من بائع أو مشتر، 

وتجمعت سلعته مشكلة هضبة تواري بشكل كامل من جهة الشمال كوخه الريفي، وارتفع عنده بشكل غير مسبوق احتياطي 

الصناديق البلاستيكية وأغطية الأفران والمدافيء وأجزاء من محركات السيارات ولواحقها ومواد نحاسية بصورة خاصة 

فتداولها مشبوه وصعب وغير ذلك من أشياء سخيفة لا تخطر على البال.

هوى كل هذا المقدار مرتطما ،ومع ارتجاج الأرض انشقت الجدران الأربعة وتناثرت قطع اسمنتية وجزيئات طلاء وراح مصباح 

الغرفة يتأرجح محدثا أزيزا خافتا متقطعا.

بعد اقل من دقيقة عم الدنيا سكون رهيب إلا من طقطقات تأتي من بعيد ،وكفت الكلاب عن النباح ،حتى الريح هدأت وتدثر 


السكون بطيلسان الليل البهيم.

كان التيار الذي سرى بذراع مرزوق عالي الضغط على ما يبدو وإلا لما بقي ممددا بلا حراك كالميت واستسلم لهزة الأرض تلك 


وللهزات بعدها ،وتناثرت فوقه وحواليه ما تساقط من السقف ،ولم يدر احد بشأنه حتى هرعت إليه أمه،وارتمت جاثمة أمامه 

تهزه وتناديه فزعة،تحسست دقات قلبه فوجدتها رتيبة ولاحظت أن صدره يعلو ويهبط في هدوء فأيقنت تماما بأنه ما زال حيا، 

ولكن عينا واحدة كانت ترمش بينما بقيت الأخرى مفتوحة تماما وبها اثر للغبار المتناثر......................................يتبع.

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (01) ــزء الأول.


الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (01) ــزء الأول



...الآن فقط ومنذ زهاء عشرين يوما وبحساب أدق ثمانية عشر يوما وست ساعات وأربعين دقيقة ,عددت هذا وأنا ارقب الساعة الخشبية المثبتة بالحائط الشرقي لبهو منزلنا حين تعانق العقربان وتلاصقا في صورة اوحت إلي لوهلة باني أراهما للمرة الأولى متطابقين بذلك الشكل منذ أتيحت لي رؤية ساعة أبي الميكانيكية ذات العقارب الذهبية أيام صباي والتي ضاعت منه ذات ليلة من ليالي الشتاء خارج البيت ,بحث عنها حينذاك ليلا ونهارا دون جدوى كما قمنا وقتها بمسح شامل إلى مئات الأمتار لكل محيط البيت واضطر أن يسال على مضض أطفال جيراننا من النشالين والأشقياء ولما أضناه البحث والسؤال يئس أخيرا وآلى على نفسه ألا يضع من يومها ساعة يد أو جيب واكتفى مكرها بطنين مزعج يعاود أذنيه بين الفينة والأخرى حلله مخطط الاوديوغرام لاحقا على ميزان تيك تاك تيك تاك.....
كما خيل إلي أن العقربين لن ينفصلا أبدا عندما دقت الساعة السادسة والنصف مساءا لهذا اليوم لما باغتهما من الدهشة واعتراهما من الذهول فقد آن أخيرا لمرزوق أن يغمز بعينه اليسرى التي ظلت مفتوحة دامعة طوال المدة المذكورة وتحرك شدقه ورفع رأسه مصدرا أنينا خافتا ومع رؤيته لامه ترفع عقيرتها بالصياح استطاع أن يجعل شفتيه تنفرجان عن ابتسامة عرجاء ويظهر بصورة آلية سنه الذهبية التي لم تختف يوما من صفحة وجهه على ما اذكر حتى ابتلي بهذا البلاء العصيب طوال هذه المدة التي لم احتسب فيها طبعا أماسي الجمعات بين العصر والمغرب حيث كنت اقضيها نائما مدمنا على ذلك بالرغم من نهوضي قبيل المغرب خبل العقل فأخرجتها احتياطيا من الحساب كما ألغيت وبصفة دقيقة اللحظات التي تهتز فيها الأرض ويسود فيها الهلع ويغشى العيون لون رمادي باهت.وليس من العدل طبعا أن اعد اللحظات التي قضيتها وأنا اكبس رجلي مرزوق المسكين واقلبه تارة على ظهره وأخرى على احد جنبيه كما يحلو له بإشارة من بؤبؤ عينه المفتوحة وأنش عنه من حين لأخر ذبابة عابرة أو بعوضة عنيدة.بينما يكتفي المبتلى بخرخرة رتيبة بائسة.
هذا إذا كان في الإمكان أن أضيف أوقات إقامة الصلوات –بعد إذنكم طبعا- فقد استبدل الخشوع مؤقتا بإرسال مستقبلات استشعار تفوق في دقتها سلم ريشتر العالمي. وأزيح بشكل كلي كل ما قد يكون عائقا في حالة حدوث طارئ كلعب الأطفال والأطفال أنفسهم وزجاجات الماء والمخاد والنعال والكراسي وقشور الفواكه وأثار السوائل وذرات الغبار من مكان إقامة الصلاة الذي يتوسط الغرفة بعيدا عن الجدران الاسمنتية وعبر كل الممرات المحتملة ونزولا مع الدرج ذي الأربع والأربعين درجة في أربع مراحل مع جعل الأبواب مفتوحة بشكل نصفي حتى الباب الحديدي الخارجي الذي لم يكن ثمة من حرج في تركه مفتوحا كليا إلى إشعار لاحق............................................يتبع.