قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الأو (1) ل
إنكببت على مكتبي أراجع بعض الإحصائيات الشهرية حوالي الساعة الثانية زوال يوم الاربعاء ،بينما كانت الرياح العاتية في الخارج تعصف منذ الصباح بلا هوادة ،تكاد تقتلع أشجار السرو العملاقة التي تكتنف المركز الصحي طامسةً كل ملامحه، باستثناء اللافتة الكبيرة الزرقاء التي تعلو واجهته الشرقية ، حيث كتب عليها اسمه باللون الأبيض العريض ، فقد تحدت فروع الأشجار الذاهبة في السماء ، وبقيت تبدو واضحة تستقبل الداخل إلى المركز مزهوة في إلحاحٍ.
رغم نغمات الأرمونيكا ثنائية النوتة لشبابيك النوافذ التي راحت تعزفها الرياح الصاخبة ، والأزيز المتصل لدبور أصفر ضخم كان يحلق في أجواء قاعة مكتبي الواسعة في مشهد استعراضي مقرف ، على أن جولاته تتكرر زوال كل يوم من أيام بوادر الصيف حينما يقل توافد المرضى ، فأجلس إلى نفسي أحادثها ، أو أقرأ كتابا يستهويني ، أغضّ الطرف عنه بل بالكاد أشعر به أحيانا، ويعتريني الملل من تماديه أحيانا أخرى ، فأحمل عليه حانقا بأي شيء يكون في متناولي مما وجد فوق المكتب -في الغالب استخدم دفتر الوصفات كسلاح هجوم نظرا لخفته وفعاليته بحكم التجربة- آخذا في نزالٍ ضَارٍ.
قبل يومين اضطررت عن غير قصد لما أغار علي بغتة بجنون صادما صوان أذني اليمنى مما يلي الصدغ إلى رميه بالزجاجة المملوءة ماءا والتي جعلتها كمزهرية لمكتبي، واضعا بها مع كل عناية وردتين حمراوين وأخرى صفراء مع شيء من النعناع، ونبتة طريفة لا أعرف لها إسما ، بعد أن أضفت إلى الماء قطرتين من الحبر الصيني الأحمر ، مع مقدار من السكر آخذا في ذلك بنصيحة المكلفة بتعقيم المعدات الطبية للمركز، فهي كما بدت خبيرة بنسق الورود والعناية بها، وضعتها منذ عشرة أيام كاملة ولم يتغير شيء منها بذبول أو بانحناء أوراق، إذا استثنيت الإستحالة الطفيفة للألوان فقد صارت الأوراق الحمراء داكنة وازينت الصفراء بخطوط برتقالية رفيعة من أثر المداد الأحمر، و كنت أنتظر متوقعا كل صباح حينما أتفقدها أن أجدها ذاوية، قد لُويت أعناقها، فجوّ القاعة خانق نوعا ما، متشبّع ككل قاعات المركز بأبخرة وروائح لا حصر لها ، أدركت أخيرا الأثر السحري للسكر المضاف في بقائها على حالها حتى انقضى أجلها فجأة بذلك الشكل المريع، وتلفت الوردات الثلاث، فتناثرت أوراقها ، واختلط لوناها في صورة خلفت حزنا في نفسي، وزادت من حنقي على الحشرة حتى بلغ حدا لا يطاق، وتهشمت الزجاجة واندلق الماء المحلى، وضاع كل شيء هباءا بسبب تهور الدبور الطائش. وإن كنت غالبا ما أكون منتصرا في الشوط الأخير من مواجهة الدبابير، فإني لا أنكر أن القتال لا يزيدها إلا شراسة، فهي تبدي براعة منقطعة النظير في المراوغة والهجوم مع تعديل آلي في حدة طنينها حسب حاجتها ومزاجها على ما أعتقد ، وأستطيع أن أعترف جازما أن مصرع الواحد منها يوحي إلى حد كبير بمنظر مقاتل أسطوري شجاع يسقط أخيرا كبطل مكلل بالشرف ، يشيعه المجد بألحان تتناهى إلى الأذن خافتة حزينة.
أقف أمامه ملتقطا أنفاسي، أقدم رجلا وأؤخّر الأخرى، ثم أحييه برفسة قدم تُسكن نعشه إحدى الزوايا ، تحية تليق بمقامه2----------دُقَّ باب القاعة دقتين متتاليتين خفيفتين، ثم انفتح شيئا فشيئا ودلف إلى الداخل شيخ هرم فارع الطول، مقوس الظهر رث الثياب، يحمل بيسراه عصا، وتمسك يمناه بيد فتاة تتقدمه، تبدو في العاشرة من عمرها على أكثر تقدير، تقوده وتنبهه بصوت حيِيٍّ خافت تارة، وبإشارة من يدها الصغيرة تارة أخرى، ثم أقبلت به نحو المكتب بعد أن أحكمت إغلاق الباب، كان يجر رجليه جرًّا بخطوات واهنة، مع صوت أبحّ كالأنين، يده حاملةُ العصا ترتجف فيومض بأحد الأصابع من حين لآخر خاتم نحاسي من الطراز القديم على ضوء النافذة المفتوحة التي أوليتها ظهري وأنا جالس بعد أن طويت أوراق الإحصاء الشهري ووضعتها جانبا.
رحت أرقب الفتاة البائسة وهي تتقدم بالشيخ نحوي، كان يضع عمامة بيضاء استحال لونها إلى رمادي فاتح، غطت جبهته حتى لامست حاجبين كثيفين متدليين، مواريين ما تبقى من وميض عينيه، حيث يظهر الأسى متربعا على عرش عتيق، وأهداب تشكوان قحط السنين، ووسن كالخردلة بزاوية عينه اليسرى قابع يترصد بيأس انفلات دمعة شاردة ليتشبث بها، عساها تحمله وتهاجر بعيدا عن ربوع الجدب والنسيان.
أنفه حاد مائل قليلا، تعلو أرنبته بضع شعرات نافرة، تشرف على شارب كثيف قد أحرقه الشيب، عليه أثر لمخاط جاف لم يمسح بعناية، وشفتان مزرقتان من أثر الدخان "البرزيلي" - كما أوحت بذلك رائحته الصارخة وقد سبقته تغزو المكان- تطبقان بترهل على فم كالمغارة ليس به إلا ناب واحد وثنية بالفك الأسفل، وخدان ضامران شُقَّت بهما التجاعيد والأخاديد، ورُسمت على صفحتيهما وهادٌ كساها تعاقب لفحات الشمس وضربات الصقيع على مرِّ سنين العمر الأرذل لونا كستنائيا شاحبا.
برفق أجلسَته الصبية فوق الكرسي قبالتي بالمكتب، وما كاد يستقر بمكانه حتى غمغم بالتحية ومد يده المرتعشة مصافحا.
تناولَتْ من كفّه العصا، ثم ابتعدت عنه في خفة الأطفال بمقدار خطوتين، أسندت كتفها للحائط واطرقت واجمة.
وجهها الدائري تكسوه مسحة من جمال حزين، و عيناها المتوهجتان يسكنهما المرح والقهر متلازمين كحكاية أنس في دفئ ليلة شتوية، أو كضفيرة حيكت بحريرٍ أسودٍ وشرائط ذهبية، تنهدل على طول سنها الفتي.
ترتدي فستانا بنيا فاتحا طويلا يكاد يغطي قدميها ،به خطوط تمتد بشكل دائري بينها تنتظم ازهار بيض صغيرة، وتنتعل خفا من القماش البنفسجي الخشن تآكلت بعض جوانبه، وانمحت زخارف براقة تزين مقدمته.
منذ اكثر من عشر سنوات، اعتدت أن أستقبل في مكتب الفحص يوميا عشرات المرضى، من كل الأصناف والألوان والأعمار ، ولسبب مالم أفهم كنهه- عندما رأيت الشيخ والفتاة- مرت علي لحظات كالإغفاءة أحسبها طويلة، لم أشعر فيها بنفسي كطبيب رئيس وحدة صحية، في العقد الرابع من عمري، أجلس زوال هذا اليوم إلى مكتبي وبجانبي كأس شاي سيء المذاق ، ولم انتبه لطنين الدبور الذي لم يمت على ما يبدو، ولم تكن الضربة قاضية بما يكفي لتخريب جهازه الطنان، حيث لا زلت أسمعه كالحشرجة في أحد الأركان.................. يتبع

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire