google.com, pub-3958492363480335, DIRECT, f08c47fec0942fa0

dimanche 4 octobre 2015

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الخـ (5) مس

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الخـ (5) مس







وفيما كنت أتلَوّى وأصيحُ من الألم، كان الطّبيب يغرس ملقطه الشّرسَ في لحمي، ينزع به الأجزاء الميِّتةَ ويعصر الخُراجَ الأصفر الثّخين بالكمّادات، يعمل غير آبهٍ بصياحي حتّى غلب على ظنّي بأنّه أصمّ، مسدود الأذنين.
أثارت حدّة الوجعِ عندي غثيانًا ودُوارًا، فكنت أقاوم ذلك بالتّململِ بين ذراعي أبي الذي كان صامتا طوال الوقت مصفرّ الوجه، غائر العينين، لا يكاد يقوى على فعل شيءٍ سوى مدَّ يده بين الفينةِ والأخرى بخِرقةٍ يمسح بها العرق الذي كان يغمر وجهه. 
نثر الممرّض النّحيف ذو العينين الزّرقاوين مسحوقا أبيضا على جراحي، بعد أن أعاد غسلها بالمحلول الأصفر الحارق، ثم أحكم لفّ ذراعي بضمّاداتٍ، ومن فوق طاولةِ معدّاتِ التّطهير جَلَبَ مغَلَّفًا برَّاقًا أفرغ منه ثلاث حبّاتٍ في يده بحجم نوى النّبق، أشار إليّ فتناولتُها وجعلتها في فمي ثمّ ابتلعتها دفعةً واحدةً كما أمرني مع كأسٍ من الماء.
عندما أوليتُهما قَفاي وخطوْت مغادرًا، كنت أحسُّ بالملقط المعدنّي لم يبرح مكانه من تحت اللّفافات القطنيّة، لا يفتأ ينخر لحمي و يغوص شيئا فشيئا مفتّتا عظام ساعدي، فيسري الألمُ صاعدا مع عضدي فكتفي حتّى يبلغ شغاف قلبي، فينقبضُ شطرُ صدري انقباضًا يدفعني خارجًا لأستنشق الهواء وأملأ به أنفي المزكوم بمزيج الكحول المركّز ورائحة قروحي السامّة، كان ذلك آخر عهدي بالطبيبِ فقد انتشر خبرُ موتهِ بعد أسبوعٍ، حصدته موجة الكوليرا الكاسحة مع عشرات الأنفس كما قيل.
راح يقلّب ذراعه برويّة بين عينيه ويتفرّس فيها بإمعان كأنه يراها للمرّة الأولى، وتابع الشّيخ مسعود مغيّرًا من نبرته قائلا: لا أستطيع أن أجزم في مطلق الأحوال أنّ ذلك الرّومي قد فعل شيئا ذا بالٍ لمداواة ذراعي، فالعذاب المرير الذي أذاقَنِيهِ بملقطه ومشرطه مرغما ذلك اليوم، يهوّن عليّ إصابتي بالكدمات والخدوش يومَ تدافعتُ في لعبةِ كباشٍ أنا وابن عمٍّ لي مات في الحرب متفّحما بالنابالم، هزمني فتدحرجت متردّيا في الوادي المحاذي لبيتنا بين الأحراش والصّخور، و يُنسيني الضّرب المبرح بأعقابِ البنادق و"الكارافاج" على أيدي العسكر أيام الثورة، حينما يهجمون على دورِ الدّشرة كالمجانين، ويسوقوننا كالنَّعاج لتجميعنا في السّاحات، ولو فعلَ ابنُ الكلب ما كان يجب فِعلُه لما لَزِمَني سعيرُ الآلام بعد ذلك أربعين يومًا كاملةً بلياليها، ما تَرَكَتْ أمّي خلالها من وصفةٍ وُصِفتْ لها إلّا وحضَّرَتها، حتى بول الثّعالبِ الطّازج ارتوتْ منه جراحي، كما تملَّتْ أيامًا بعسلِ الجبلِ الصّافي.
الحمد لله، بعد لأْيٍ شُفِيتُ ، وقد صرعتُ بهذه اليد المشوَّهَة التي هي أمامك يا دكتور أحد الكولون الوقحين، تجرّأ النّذل عليّ يومًا بمستودعٍ للحبوبِ، سوَّلَتْ له نفسه أن يضربني بعد ما استفزَّني وأهانني وأنا ابن ثلاثين سنةً، فأطبقْتها على رقبته كالكمّاشة، ومرّغتُ وجهه في التّراب، كما علّمتُه وأنا أركلُه في إليتَيهِ مِشية العلجومِ، إذ لم يكن تعلَّمها من قبلُ كما أخبرني باكيًا.........يتبع

1 commentaire: