قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الــث (2) ــاني
انتفضت من مكاني وانحنيت أصافح المريض بعد التحية ،سألته عن إسمه لأدوِّنه في الدفتر، فاستعاد كلامي، وحدَّق في وجهي مقطِّبا يصغي باهتمام، بعد أن لوَى إحدى أذنيه مومِئًا بثقل سَمعه، وما كاد يفعل حتى تململت الصبية، ثم تكلّمَت في فصاحةٍ ونباهة باديتين، فأمْلَت عليّ إسمه وسنَّه وعنوانه جملة واحدة، فأرخَى الشيخ يده وانفرجت أسارير وجهه، عندما أيقن أنه أُعفي من مشقّة الكلام وجهد الإصغاء.
انبسطت الصغيرة شهرزاد ذات التّسع سنوات، وهي حفيدة العجوز مسعود من ابنته التي توفيت، ومضى عامان قاتمان على رحيلها إلى غير رجعة، انقشعت حمرة الخجل من وجنتيها، وتلاشى التردّد من عينيها، فحكت لي قصّة وَعكته التي ألمّت به منذ أكثر من أسبوع، ألهب السّعال رئتيه، وعانى من آلامٍ مبرحة في مفاصله، وحمّى شديدة مع وهنٍ في جسمه ألزمَه الفراشَ، ومنع عنه كلَّ ما يُقتَات به إلا من ماءٍ يشربه مع سيجارة مقيتةٍ لا تكاد تفارق شفتيه الواهيتين، أو من شيحٍ مُقطَّرٍ دَأبَ منذ أشهرٍ على شربه كلّ صباحٍ يعالج به مغصًا في جوفه لا يفتأُ يُعاوِده.
عندما اطمأنّ في مقعده و هدأت أنفاسه، خطر له فجأة أن يذكِّرني بعمره، تنهد ثم بدأ في الحديث مسترسلا بينما كنت أهُمّ بأخذه إلى طاولة الفحص، أخذ يروي ذاهلاً حكاية عمره بكلِّ تفصيل كما رواها لشهرزاد ذات مساءٍ خريفيٍّ باردٍ والشمس توشك على المغيب ، بعد أن أجلسها إلى جنبه فوق كنبةٍ عند مدخل الدار، ودثَّرها بطرف برنوسه، استنفرَ كلَّ حِيَله ليخفّف عنها حُرقة فراق أمّها التي مضى على رحيلها يومذاك اسبوعٌ واحد، فقد انفطرَ قلب الصغيرةِ وأمضَت أيام الفجيعة الأولى متواريةً في خلوات تلوذُ بها، تنتحبُ تارة وتناجي طيف أمّها طورًا، وقضَت لياليها مع كوابيس مرعبةٍ تقضُ مضجعها وخيالاتٍ مفزعةٍ توحشُ وحدتها.
لم يأت حينئذ- كما روَى- على آخر الحكاية حتى أحرق في رئتيه الموْبوئتين خمس سجائر كاملة، لفَّها بإحكامٍ وتأنٍّ، الواحدة تلو الأخرى بأصابع يديه المرتعشتين، أتى عليها جميعَها من غير أن يدع منها عقِبًا واحدا، مُلحًّا في الإستنشاق حتى جحوظِ عينيه كلَّما عرضَ له من شريط حياته عارضٌ أليمٌ، يَخِزه في أطراف أصابعه كالإبرِ ، ويقرِضه في كُشْحَيه كالمقاريض ، ولم يَدريا وقتَها - مع نشوة الحكاية و فرقعة البرزيلي المحترق- كيف لفَّ الظلامُ الدُّنيا على غفلةٍ منهما، فقاما فزعين وتسلّلا في جنحه إلى داخل الدار.
بدَا لي حديثه والحمَّى تعمل في جسمه العليل عملها من قَبيلِ الهذيان والخَرَف، لذا تركته يحكي- على أنه هو نفسه مجموعة قصص خرافية نادرة- عقَدت يديَّ واتكأت على طرف المكتب في حين راحت شهرزاد تعبث بسوارٍ بلاستيكيٍّ أخضر يطوّق معصم يدها اليمنى وقد اعتراها حرجٌ بادٍ من حديث جدِّها فأسبلَت عينيها واطرقت من جديد.
لا أدري إن كنت مُلزَما بنقل حكايةٍ طولها أربعةٌ وتسعون عاما إلّا ثلاثة أشهرٍ، تزيد على ذلك أو تنقص بحسَبِ مجال إرتياب مسعود ودرجة حرارته، فالأوراق الشخصية التي قدَّمها تُنقِص من عمره الحقيقيّ الذي يعتقده يقينا أكثر من عشرين سنة، مع امتداداتٍ عرضيةٍ لطول الحكاية، ونتوءاتٍ وصواعدَ ونوازلَ مُتكلِّسة، وتجاويفَ لا أجِدُ لها شبَهَا إلا أعشَاشَ الدَّبابيرِ المهجورةِ، بعضها فارغٌ وبعضها مملوءٌ إلى النّصفِ بخليط دماءٍ سوداء وحمإٍ تكسوه الطّحالبُ وبعض أزهار النّرجس، وبين الأذرع الممتدّة نسجَتِ العناكبُ بخيوطها الواهية بيوتا كثيفةً عَلِقَتْ بها صراصيرُ ميِّتةٌ وفراشاتٌ وذباب
.......يتبع

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire