قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الثـ (3) لث
هذه النُّدوب كما ترى يا دكتور آثارٌ لعضَّةِ حمارٍ قديمة، قال العجوز ذلك بعد أن حسر كُمّه عن ذراعه اليسرى بأناةٍ حتى المرفق، وأماط ياقة قميصه البالية عن أثر جرح غائر فوق الترقوة بقليل، وأردف قائلا: حمارُ أبي الأسود الحرون كان يمتلكه في جملة ما امتلك أواخر العشرينيات من سنوات الإستعمار، مع منزلٍ بناه بالطّوب رفقة عمّي، وغطّياه بالدّيس، أمّي خرفيّة، ديكٌ وبضع دجاجاتٍ، عنزتان وكلبٌ لم يُكتب له أن يعيش طويلا، فقد جرفه السّيل ذات ليلةٍ مطرة، ومحراثا صنعه بيديه من خشب الصنوبر، وجعل له وتدا بالواجهة الغربية للبيت يعلّقه عليه اذا انقضى موسم الحرث.
كنت أنا والحمار أغلى ما يملك أبي في ذلك الزمن العصيب، إذ لم يكن له أبناء يَعتدُّ بهم غيري، وأمّي المسكينة كانت مُقعدةً، ذهب الشّلل بنصفها الأسفل، ولم يمنعها البلاء من القيام على شؤون البيت، فكانت تُرى طول النّهار وشطرًا من اللّيل ككائنٍ أسطوريٍّ زاحفٍ، تجرُّ أسفلَها متنقّلة بين داخل البيت وباحته.
وأنا صغيرٌ امتطيتُ الحمار ضحى يومٍ من أيام موسم الحصاد ، واتّجهت إلى حيث كان أبي يعمل خمّاسًا عند الرّومي رفقة آخرين، حملتُ ما أعدّت له أمي من غداءٍ، كان عليَّ أن أجتاز أكَمَةً لأصل إليه، ومع أن الحمار قضى ليلته في أجود أحواله ممتليء البطن، حسن المزاج وعلى غير عادته بات هادئا، إلا أنه لم يكد يعتلي بي الأكمة حتى غلا دماغه وفارَ شدقاه برغوتين وصوت منكرٍ أقربَ إلى الخوار منه إلى النهيق، ثم هزَّني هزًّا شديدا لم أستطع معه الثّباتَ فوق ظهره، فسقطت سقطة عنيفةً، أسْمَعَتْني فرقعةَ عظامي، وتَدافُع الدّم في أوداجي، ما كدت أتحسَّس موقعي من الأرض حتى هاجمنِي كأنَّ له عليّ ثأرا قديمًا، وعاثَ في جسمِي رفسًا بحوافره ونهشًا بأسنانه، ولولا لطفُ القديرِ بأن أعانني على الصّراخ ، فانتبه أبي لصراخي و أقبل مذعورا لينتشلني من تحت الحمار، لكنت لحقْتُ ساعتها بالكلبِ.
حملني كالميّت إلى البيت، و ما كادت عينا أمّي تقعان عليّ حتى فغرت فاها فزعًا و ألجَمَتَها الشَّهقاتُ، فأشار أبي إليها يهدئُها، وتقدّم بي إلى الدّاخل مسرعًا، طرحني أرضًا ونزع عنّي أثوابي، كانت أنفاسُه اللّاهثة تلفحُ وجهي، ينفثُها خليطًا متأجِّجًا من سخطٍ و غيظٍ، ذراعي كانت متدلّية شبه مبتورةٍ، فقد كنت واريتُ بها وجهي، محتميا من العضِّ والرّفس، خطَّتِ الحيرة تقاسيمَ وجهيهما، و أخذ اليأس يتسلّل إلى نفسيهما وهما يحدِّقان في وجهي المعفَّرِ بالتراب، وقد غمره الدّم، فلم يدريا كيف يتصرّفان على وجه التّحديد أمام هول المصيبة.
كلُّ مافعلاه لاحقًا، ولأنّه لم يكن في الإمكانِ نقلي إلى مُسعِفٍ طبِّيٍ، فالطّبيبٌ الفرنسي الوحيد كان على بعد أكثر من ثلاثين ميلا، قاما بغسلِ جراحي بالماء، و أتت أمي بخرقة نظيفة فلفّت بها ذراعي، بعد أن ذرَّت عليها شيئا من الكُحل والشبِّ، و ماكاد ينقضي اسبوع حتى انتابتني الحمَّى والآلامُ وأخذتْ جراحي في التعفَّنِ، فانتشرت رائحةٌ نتنةٌ في البيت ، وسئمتُ التمدُّد في الفراش فكنت أذرَعَ المنزل جيئةً وذهابًا طوال اليوم وأنا أتلوَّى، ومن حين لآخر تدفعني الأوجاع إلى حشرِ رأسي بالكوَّة الوحيدة في الجدران أملأ أنفي من نسائم الصّيف بعبقِ الحصيد............يتبع

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire