google.com, pub-3958492363480335, DIRECT, f08c47fec0942fa0

dimanche 4 octobre 2015

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الخـ (5) مس

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الخـ (5) مس







وفيما كنت أتلَوّى وأصيحُ من الألم، كان الطّبيب يغرس ملقطه الشّرسَ في لحمي، ينزع به الأجزاء الميِّتةَ ويعصر الخُراجَ الأصفر الثّخين بالكمّادات، يعمل غير آبهٍ بصياحي حتّى غلب على ظنّي بأنّه أصمّ، مسدود الأذنين.
أثارت حدّة الوجعِ عندي غثيانًا ودُوارًا، فكنت أقاوم ذلك بالتّململِ بين ذراعي أبي الذي كان صامتا طوال الوقت مصفرّ الوجه، غائر العينين، لا يكاد يقوى على فعل شيءٍ سوى مدَّ يده بين الفينةِ والأخرى بخِرقةٍ يمسح بها العرق الذي كان يغمر وجهه. 
نثر الممرّض النّحيف ذو العينين الزّرقاوين مسحوقا أبيضا على جراحي، بعد أن أعاد غسلها بالمحلول الأصفر الحارق، ثم أحكم لفّ ذراعي بضمّاداتٍ، ومن فوق طاولةِ معدّاتِ التّطهير جَلَبَ مغَلَّفًا برَّاقًا أفرغ منه ثلاث حبّاتٍ في يده بحجم نوى النّبق، أشار إليّ فتناولتُها وجعلتها في فمي ثمّ ابتلعتها دفعةً واحدةً كما أمرني مع كأسٍ من الماء.
عندما أوليتُهما قَفاي وخطوْت مغادرًا، كنت أحسُّ بالملقط المعدنّي لم يبرح مكانه من تحت اللّفافات القطنيّة، لا يفتأ ينخر لحمي و يغوص شيئا فشيئا مفتّتا عظام ساعدي، فيسري الألمُ صاعدا مع عضدي فكتفي حتّى يبلغ شغاف قلبي، فينقبضُ شطرُ صدري انقباضًا يدفعني خارجًا لأستنشق الهواء وأملأ به أنفي المزكوم بمزيج الكحول المركّز ورائحة قروحي السامّة، كان ذلك آخر عهدي بالطبيبِ فقد انتشر خبرُ موتهِ بعد أسبوعٍ، حصدته موجة الكوليرا الكاسحة مع عشرات الأنفس كما قيل.
راح يقلّب ذراعه برويّة بين عينيه ويتفرّس فيها بإمعان كأنه يراها للمرّة الأولى، وتابع الشّيخ مسعود مغيّرًا من نبرته قائلا: لا أستطيع أن أجزم في مطلق الأحوال أنّ ذلك الرّومي قد فعل شيئا ذا بالٍ لمداواة ذراعي، فالعذاب المرير الذي أذاقَنِيهِ بملقطه ومشرطه مرغما ذلك اليوم، يهوّن عليّ إصابتي بالكدمات والخدوش يومَ تدافعتُ في لعبةِ كباشٍ أنا وابن عمٍّ لي مات في الحرب متفّحما بالنابالم، هزمني فتدحرجت متردّيا في الوادي المحاذي لبيتنا بين الأحراش والصّخور، و يُنسيني الضّرب المبرح بأعقابِ البنادق و"الكارافاج" على أيدي العسكر أيام الثورة، حينما يهجمون على دورِ الدّشرة كالمجانين، ويسوقوننا كالنَّعاج لتجميعنا في السّاحات، ولو فعلَ ابنُ الكلب ما كان يجب فِعلُه لما لَزِمَني سعيرُ الآلام بعد ذلك أربعين يومًا كاملةً بلياليها، ما تَرَكَتْ أمّي خلالها من وصفةٍ وُصِفتْ لها إلّا وحضَّرَتها، حتى بول الثّعالبِ الطّازج ارتوتْ منه جراحي، كما تملَّتْ أيامًا بعسلِ الجبلِ الصّافي.
الحمد لله، بعد لأْيٍ شُفِيتُ ، وقد صرعتُ بهذه اليد المشوَّهَة التي هي أمامك يا دكتور أحد الكولون الوقحين، تجرّأ النّذل عليّ يومًا بمستودعٍ للحبوبِ، سوَّلَتْ له نفسه أن يضربني بعد ما استفزَّني وأهانني وأنا ابن ثلاثين سنةً، فأطبقْتها على رقبته كالكمّاشة، ومرّغتُ وجهه في التّراب، كما علّمتُه وأنا أركلُه في إليتَيهِ مِشية العلجومِ، إذ لم يكن تعلَّمها من قبلُ كما أخبرني باكيًا.........يتبع

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الرا (4) بــع

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الرا (4) بــع









أمّي كانت تتألم لألَمي وتسهر يقِضةً بجانبي، أمّا أبي فكان يأوي باكرًا إلى فراشه، يُضْنيه تعبُ النّهار وشمسُه الحارقةُ، يكتفي بالسؤال عن حالي في اقتِضابٍ، يتناول ما حضر من عشاءٍ وينام مَقهورًا.
بين أحشاءِ العتمةِ، و في جوف اللّيلِ، عندما يَعْلو شخيرُه تَحْتدِم آلامي وتستيقظُ الحُمّى، تنفتحُ عينايَ لِأرى على ضوءِ الفانوس الخافت وجهَ أمّي الحانِي، ومن ورائه يَطبعُ السّوادُ الباهتُ جدران الطّين، وأغراضًا مختلفةَ الأحْجامِ عُلِّقَتْ بالعوارضِ الخشبيّةِ لسقف الدّيسِ، تبدوا كرؤوسٍ آدمِيّة مشوّهةٍ ، سرعان ما تتحوّل في عيني إلى عفاريت ومردة لها قرونٌ وآذانٌ طويلةٌ وعيونٌ تتّقدُ شرًّا، لا تكفُّ ألبتّةً عنِ التَّغامزِ والهمسِ، ويَتناهى إلى سمعي مع شخيرأبي المنهكِ صوتُ اجترارٍ العنزتين بإحدى الزّوايا، ولغطِ الصَّراريرِ بالخارج، و بجانبي تتردّدُ مُرهقةً أنفاسُ أمّي.
في ذلك الوقت من اللّيل تأوي إليَّ التَّعاسةُ ضُروبًا وألوانًا، وتُقبِلُ عليَّ الوساوسُ والظُّنونُ زَرافاتٍ تَتْرَى، أبتلعُها فتسري في حلقي كسمٍّ زعافٍ مع ما تضعه أمي بملعقةٍ صغيرة في فمي من جرعات حرِّيفةٍ لمنقوع العرعار والبابونج.
أخيرا كان لا بدّ من عرضي على الطّبيب، حُسم القرارُ نظرا لحالة التعفّن الفظيعةِ التي آلت إليها يدي ، أردفني أبي وراءه على ظهر بغل لأحد الجيران وانطلقنا قبيل الفجر، كان يوم سبتٍ قائظٍ، مشينا فيه دون توقّفٍ حتّى الزّوالِ فاكتوت ظهورنا بلهيب الحرّ الشّديد، وتمكَّنَ مِنَّا الجهدُ والعياءُ، وما إن بلغْنا مقرَّ الطبيب حتى شدَّ أبي لجام البغل فأوقفه، ثم تأفَّف بانفعالٍ بالغٍ، فقد كان المكان مثل سوقٍ يعُجُّ بالناس، ما بين قائمٍ وقاعدٍ ومسجَّى لايُدرَى به أحيٌّ هو أم ميّتٌ، أحد الأصِحَّاءِ منهم كما بدا كان يحمل قربةَ ماءٍ فوق كاهلِه، وقدحًا في يده يسقي به ذا الحاجة إلى الشّراب، وآخرُ يعرض في صحْفَةٍ خشبيّةٍ عيِّناتٍ من محاصيل السّنة من قمحٍ وشعيرٍ، وثالثٌ كان يصيح غاديًا و رائحا لبيع إوزّة ودجاجاتٍ جعلها في سلّة من القصب المضفور، كما انتبذَ رابعٌ ذوعمامةٍ مزركشةٍ وشاربٍ طويلٍ مفتولٍ مكانا عند مربطِ الدّواب، جلس القرفصاء ووضع بين يديه أعشابا للتداوي، زعتر، قشور الرمان، اكليل، شيح، دباغة،....مع سوائل ملونة في قوارير مرصوفة.
تبيَّن أن عدد المرضى بين الحاضرين لم يكن يتجاوز العشرين مريضا، ولم يكن بالقدَر الذي أرعب أبي وأصابه بالإحباط أول الأمر.
وسط السّعال والأنين والصّياح، اضطَررنا إلى افتراشِ الأرض و الانتظارِ لبضع ساعاتٍ، ليأتي بعدها دوري و أدخل ليفحصني الدكتور الرومي الأشيب، قطّب حاجبيه في استغرابٍ ولوى شفتيه وهو يعاين جراحي المتعفّنة، أشار إلى ممرّضه فأتى له بمحلول أصفر في إناء من الأليمنيوم، طرح فيه عددًا من الكمّادات البيضاء، ثم راح يلتقطها الواحدة تلو الأخرى بملقط طويل ويعالج بها آثار قبلات الحمار اللئيم.....يتبع

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الثـ (3) لث

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الثـ (3) لث




هذه النُّدوب كما ترى يا دكتور آثارٌ لعضَّةِ حمارٍ قديمة، قال العجوز ذلك بعد أن حسر كُمّه عن ذراعه اليسرى بأناةٍ حتى المرفق، وأماط ياقة قميصه البالية عن أثر جرح غائر فوق الترقوة بقليل، وأردف قائلا: حمارُ أبي الأسود الحرون كان يمتلكه في جملة ما امتلك أواخر العشرينيات من سنوات الإستعمار، مع منزلٍ بناه بالطّوب رفقة عمّي، وغطّياه بالدّيس، أمّي خرفيّة، ديكٌ وبضع دجاجاتٍ، عنزتان وكلبٌ لم يُكتب له أن يعيش طويلا، فقد جرفه السّيل ذات ليلةٍ مطرة، ومحراثا صنعه بيديه من خشب الصنوبر، وجعل له وتدا بالواجهة الغربية للبيت يعلّقه عليه اذا انقضى موسم الحرث.
كنت أنا والحمار أغلى ما يملك أبي في ذلك الزمن العصيب، إذ لم يكن له أبناء يَعتدُّ بهم غيري، وأمّي المسكينة كانت مُقعدةً، ذهب الشّلل بنصفها الأسفل، ولم يمنعها البلاء من القيام على شؤون البيت، فكانت تُرى طول النّهار وشطرًا من اللّيل ككائنٍ أسطوريٍّ زاحفٍ، تجرُّ أسفلَها متنقّلة بين داخل البيت وباحته.
وأنا صغيرٌ امتطيتُ الحمار ضحى يومٍ من أيام موسم الحصاد ، واتّجهت إلى حيث كان أبي يعمل خمّاسًا عند الرّومي رفقة آخرين، حملتُ ما أعدّت له أمي من غداءٍ، كان عليَّ أن أجتاز أكَمَةً لأصل إليه، ومع أن الحمار قضى ليلته في أجود أحواله ممتليء البطن، حسن المزاج وعلى غير عادته بات هادئا، إلا أنه لم يكد يعتلي بي الأكمة حتى غلا دماغه وفارَ شدقاه برغوتين وصوت منكرٍ أقربَ إلى الخوار منه إلى النهيق، ثم هزَّني هزًّا شديدا لم أستطع معه الثّباتَ فوق ظهره، فسقطت سقطة عنيفةً، أسْمَعَتْني فرقعةَ عظامي، وتَدافُع الدّم في أوداجي، ما كدت أتحسَّس موقعي من الأرض حتى هاجمنِي كأنَّ له عليّ ثأرا قديمًا، وعاثَ في جسمِي رفسًا بحوافره ونهشًا بأسنانه، ولولا لطفُ القديرِ بأن أعانني على الصّراخ ، فانتبه أبي لصراخي و أقبل مذعورا لينتشلني من تحت الحمار، لكنت لحقْتُ ساعتها بالكلبِ.
حملني كالميّت إلى البيت، و ما كادت عينا أمّي تقعان عليّ حتى فغرت فاها فزعًا و ألجَمَتَها الشَّهقاتُ، فأشار أبي إليها يهدئُها، وتقدّم بي إلى الدّاخل مسرعًا، طرحني أرضًا ونزع عنّي أثوابي، كانت أنفاسُه اللّاهثة تلفحُ وجهي، ينفثُها خليطًا متأجِّجًا من سخطٍ و غيظٍ، ذراعي كانت متدلّية شبه مبتورةٍ، فقد كنت واريتُ بها وجهي، محتميا من العضِّ والرّفس، خطَّتِ الحيرة تقاسيمَ وجهيهما، و أخذ اليأس يتسلّل إلى نفسيهما وهما يحدِّقان في وجهي المعفَّرِ بالتراب، وقد غمره الدّم، فلم يدريا كيف يتصرّفان على وجه التّحديد أمام هول المصيبة.
كلُّ مافعلاه لاحقًا، ولأنّه لم يكن في الإمكانِ نقلي إلى مُسعِفٍ طبِّيٍ، فالطّبيبٌ الفرنسي الوحيد كان على بعد أكثر من ثلاثين ميلا، قاما بغسلِ جراحي بالماء، و أتت أمي بخرقة نظيفة فلفّت بها ذراعي، بعد أن ذرَّت عليها شيئا من الكُحل والشبِّ، و ماكاد ينقضي اسبوع حتى انتابتني الحمَّى والآلامُ وأخذتْ جراحي في التعفَّنِ، فانتشرت رائحةٌ نتنةٌ في البيت ، وسئمتُ التمدُّد في الفراش فكنت أذرَعَ المنزل جيئةً وذهابًا طوال اليوم وأنا أتلوَّى، ومن حين لآخر تدفعني الأوجاع إلى حشرِ رأسي بالكوَّة الوحيدة في الجدران أملأ أنفي من نسائم الصّيف بعبقِ الحصيد............يتبع

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الــث (2) ــاني

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الــث (2) ــاني

 










انتفضت من مكاني وانحنيت أصافح المريض بعد التحية ،سألته عن إسمه لأدوِّنه في الدفتر، فاستعاد كلامي، وحدَّق في وجهي مقطِّبا يصغي باهتمام، بعد أن لوَى إحدى أذنيه مومِئًا بثقل سَمعه، وما كاد يفعل حتى تململت الصبية، ثم تكلّمَت في فصاحةٍ ونباهة باديتين، فأمْلَت عليّ إسمه وسنَّه وعنوانه جملة واحدة، فأرخَى الشيخ يده وانفرجت أسارير وجهه، عندما أيقن أنه أُعفي من مشقّة الكلام وجهد الإصغاء.
انبسطت الصغيرة شهرزاد ذات التّسع سنوات، وهي حفيدة العجوز مسعود من ابنته التي توفيت، ومضى عامان قاتمان على رحيلها إلى غير رجعة، انقشعت حمرة الخجل من وجنتيها، وتلاشى التردّد من عينيها، فحكت لي قصّة وَعكته التي ألمّت به منذ أكثر من أسبوع، ألهب السّعال رئتيه، وعانى من آلامٍ مبرحة في مفاصله، وحمّى شديدة مع وهنٍ في جسمه ألزمَه الفراشَ، ومنع عنه كلَّ ما يُقتَات به إلا من ماءٍ يشربه مع سيجارة مقيتةٍ لا تكاد تفارق شفتيه الواهيتين، أو من شيحٍ مُقطَّرٍ دَأبَ منذ أشهرٍ على شربه كلّ صباحٍ يعالج به مغصًا في جوفه لا يفتأُ يُعاوِده.
عندما اطمأنّ في مقعده و هدأت أنفاسه، خطر له فجأة أن يذكِّرني بعمره، تنهد ثم بدأ في الحديث مسترسلا بينما كنت أهُمّ بأخذه إلى طاولة الفحص، أخذ يروي ذاهلاً حكاية عمره بكلِّ تفصيل كما رواها لشهرزاد ذات مساءٍ خريفيٍّ باردٍ والشمس توشك على المغيب ، بعد أن أجلسها إلى جنبه فوق كنبةٍ عند مدخل الدار، ودثَّرها بطرف برنوسه، استنفرَ كلَّ حِيَله ليخفّف عنها حُرقة فراق أمّها التي مضى على رحيلها يومذاك اسبوعٌ واحد، فقد انفطرَ قلب الصغيرةِ وأمضَت أيام الفجيعة الأولى متواريةً في خلوات تلوذُ بها، تنتحبُ تارة وتناجي طيف أمّها طورًا، وقضَت لياليها مع كوابيس مرعبةٍ تقضُ مضجعها وخيالاتٍ مفزعةٍ توحشُ وحدتها.
لم يأت حينئذ- كما روَى- على آخر الحكاية حتى أحرق في رئتيه الموْبوئتين خمس سجائر كاملة، لفَّها بإحكامٍ وتأنٍّ، الواحدة تلو الأخرى بأصابع يديه المرتعشتين، أتى عليها جميعَها من غير أن يدع منها عقِبًا واحدا، مُلحًّا في الإستنشاق حتى جحوظِ عينيه كلَّما عرضَ له من شريط حياته عارضٌ أليمٌ، يَخِزه في أطراف أصابعه كالإبرِ ، ويقرِضه في كُشْحَيه كالمقاريض ، ولم يَدريا وقتَها - مع نشوة الحكاية و فرقعة البرزيلي المحترق- كيف لفَّ الظلامُ الدُّنيا على غفلةٍ منهما، فقاما فزعين وتسلّلا في جنحه إلى داخل الدار.
بدَا لي حديثه والحمَّى تعمل في جسمه العليل عملها من قَبيلِ الهذيان والخَرَف، لذا تركته يحكي- على أنه هو نفسه مجموعة قصص خرافية نادرة- عقَدت يديَّ واتكأت على طرف المكتب في حين راحت شهرزاد تعبث بسوارٍ بلاستيكيٍّ أخضر يطوّق معصم يدها اليمنى وقد اعتراها حرجٌ بادٍ من حديث جدِّها فأسبلَت عينيها واطرقت من جديد.
لا أدري إن كنت مُلزَما بنقل حكايةٍ طولها أربعةٌ وتسعون عاما إلّا ثلاثة أشهرٍ، تزيد على ذلك أو تنقص بحسَبِ مجال إرتياب مسعود ودرجة حرارته، فالأوراق الشخصية التي قدَّمها تُنقِص من عمره الحقيقيّ الذي يعتقده يقينا أكثر من عشرين سنة، مع امتداداتٍ عرضيةٍ لطول الحكاية، ونتوءاتٍ وصواعدَ ونوازلَ مُتكلِّسة، وتجاويفَ لا أجِدُ لها شبَهَا إلا أعشَاشَ الدَّبابيرِ المهجورةِ، بعضها فارغٌ وبعضها مملوءٌ إلى النّصفِ بخليط دماءٍ سوداء وحمإٍ تكسوه الطّحالبُ وبعض أزهار النّرجس، وبين الأذرع الممتدّة نسجَتِ العناكبُ بخيوطها الواهية بيوتا كثيفةً عَلِقَتْ بها صراصيرُ ميِّتةٌ وفراشاتٌ وذباب
.......يتبع

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الأو (1) ل

قيلولة بـ زراية بقلم الدكتور: حــسان بلبج الجزء الأو (1) ل

 

 


إنكببت على مكتبي أراجع بعض الإحصائيات الشهرية حوالي الساعة الثانية زوال يوم الاربعاء ،بينما كانت الرياح العاتية في الخارج تعصف منذ الصباح بلا هوادة ،تكاد تقتلع أشجار السرو العملاقة التي تكتنف المركز الصحي طامسةً كل ملامحه، باستثناء اللافتة الكبيرة الزرقاء التي تعلو واجهته الشرقية ، حيث كتب عليها اسمه باللون الأبيض العريض ، فقد تحدت فروع الأشجار الذاهبة في السماء ، وبقيت تبدو واضحة تستقبل الداخل إلى المركز مزهوة في إلحاحٍ.

رغم نغمات الأرمونيكا ثنائية النوتة لشبابيك النوافذ التي راحت تعزفها الرياح الصاخبة ، والأزيز المتصل لدبور أصفر ضخم كان يحلق في أجواء قاعة مكتبي الواسعة في مشهد استعراضي مقرف ، على أن جولاته تتكرر زوال كل يوم من أيام بوادر الصيف حينما يقل توافد المرضى ، فأجلس إلى نفسي أحادثها ، أو أقرأ كتابا يستهويني ، أغضّ الطرف عنه بل بالكاد أشعر به أحيانا، ويعتريني الملل من تماديه أحيانا أخرى ، فأحمل عليه حانقا بأي شيء يكون في متناولي مما وجد فوق المكتب -في الغالب استخدم دفتر الوصفات كسلاح هجوم نظرا لخفته وفعاليته بحكم التجربة- آخذا في نزالٍ ضَارٍ.

قبل يومين اضطررت عن غير قصد لما أغار علي بغتة بجنون صادما صوان أذني اليمنى مما يلي الصدغ إلى رميه بالزجاجة المملوءة ماءا والتي جعلتها كمزهرية لمكتبي، واضعا بها مع كل عناية وردتين حمراوين وأخرى صفراء مع شيء من النعناع، ونبتة طريفة لا أعرف لها إسما ، بعد أن أضفت إلى الماء قطرتين من الحبر الصيني الأحمر ، مع مقدار من السكر آخذا في ذلك بنصيحة المكلفة بتعقيم المعدات الطبية للمركز، فهي كما بدت خبيرة بنسق الورود والعناية بها، وضعتها منذ عشرة أيام كاملة ولم يتغير شيء منها بذبول أو بانحناء أوراق، إذا استثنيت الإستحالة الطفيفة للألوان فقد صارت الأوراق الحمراء داكنة وازينت الصفراء بخطوط برتقالية رفيعة من أثر المداد الأحمر، و كنت أنتظر متوقعا كل صباح حينما أتفقدها أن أجدها ذاوية، قد لُويت أعناقها، فجوّ القاعة خانق نوعا ما، متشبّع ككل قاعات المركز بأبخرة وروائح لا حصر لها ، أدركت أخيرا الأثر السحري للسكر المضاف في بقائها على حالها حتى انقضى أجلها فجأة بذلك الشكل المريع، وتلفت الوردات الثلاث، فتناثرت أوراقها ، واختلط لوناها في صورة خلفت حزنا في نفسي، وزادت من حنقي على الحشرة حتى بلغ حدا لا يطاق، وتهشمت الزجاجة واندلق الماء المحلى، وضاع كل شيء هباءا بسبب تهور الدبور الطائش. وإن كنت غالبا ما أكون منتصرا في الشوط الأخير من مواجهة الدبابير، فإني لا أنكر أن القتال لا يزيدها إلا شراسة، فهي تبدي براعة منقطعة النظير في المراوغة والهجوم مع تعديل آلي في حدة طنينها حسب حاجتها ومزاجها على ما أعتقد ، وأستطيع أن أعترف جازما أن مصرع الواحد منها يوحي إلى حد كبير بمنظر مقاتل أسطوري شجاع يسقط أخيرا كبطل مكلل بالشرف ، يشيعه المجد بألحان تتناهى إلى الأذن خافتة حزينة.

أقف أمامه ملتقطا أنفاسي، أقدم رجلا وأؤخّر الأخرى، ثم أحييه برفسة قدم تُسكن نعشه إحدى الزوايا ، تحية تليق بمقامه2----------دُقَّ باب القاعة دقتين متتاليتين خفيفتين، ثم انفتح شيئا فشيئا ودلف إلى الداخل شيخ هرم فارع الطول، مقوس الظهر رث الثياب، يحمل بيسراه عصا، وتمسك يمناه بيد فتاة تتقدمه، تبدو في العاشرة من عمرها على أكثر تقدير، تقوده وتنبهه بصوت حيِيٍّ خافت تارة، وبإشارة من يدها الصغيرة تارة أخرى، ثم أقبلت به نحو المكتب بعد أن أحكمت إغلاق الباب، كان يجر رجليه جرًّا بخطوات واهنة، مع صوت أبحّ كالأنين، يده حاملةُ العصا ترتجف فيومض بأحد الأصابع من حين لآخر خاتم نحاسي من الطراز القديم على ضوء النافذة المفتوحة التي أوليتها ظهري وأنا جالس بعد أن طويت أوراق الإحصاء الشهري ووضعتها جانبا.

رحت أرقب الفتاة البائسة وهي تتقدم بالشيخ نحوي، كان يضع عمامة بيضاء استحال لونها إلى رمادي فاتح، غطت جبهته حتى لامست حاجبين كثيفين متدليين، مواريين ما تبقى من وميض عينيه، حيث يظهر الأسى متربعا على عرش عتيق، وأهداب تشكوان قحط السنين، ووسن كالخردلة بزاوية عينه اليسرى قابع يترصد بيأس انفلات دمعة شاردة ليتشبث بها، عساها تحمله وتهاجر بعيدا عن ربوع الجدب والنسيان.

أنفه حاد مائل قليلا، تعلو أرنبته بضع شعرات نافرة، تشرف على شارب كثيف قد أحرقه الشيب، عليه أثر لمخاط جاف لم يمسح بعناية، وشفتان مزرقتان من أثر الدخان "البرزيلي" - كما أوحت بذلك رائحته الصارخة وقد سبقته تغزو المكان- تطبقان بترهل على فم كالمغارة ليس به إلا ناب واحد وثنية بالفك الأسفل، وخدان ضامران شُقَّت بهما التجاعيد والأخاديد، ورُسمت على صفحتيهما وهادٌ كساها تعاقب لفحات الشمس وضربات الصقيع على مرِّ سنين العمر الأرذل لونا كستنائيا شاحبا.

برفق أجلسَته الصبية فوق الكرسي قبالتي بالمكتب، وما كاد يستقر بمكانه حتى غمغم بالتحية ومد يده المرتعشة مصافحا.

تناولَتْ من كفّه العصا، ثم ابتعدت عنه في خفة الأطفال بمقدار خطوتين، أسندت كتفها للحائط واطرقت واجمة.

وجهها الدائري تكسوه مسحة من جمال حزين، و عيناها المتوهجتان يسكنهما المرح والقهر متلازمين كحكاية أنس في دفئ ليلة شتوية، أو كضفيرة حيكت بحريرٍ أسودٍ وشرائط ذهبية، تنهدل على طول سنها الفتي.

ترتدي فستانا بنيا فاتحا طويلا يكاد يغطي قدميها ،به خطوط تمتد بشكل دائري بينها تنتظم ازهار بيض صغيرة، وتنتعل خفا من القماش البنفسجي الخشن تآكلت بعض جوانبه، وانمحت زخارف براقة تزين مقدمته.

منذ اكثر من عشر سنوات، اعتدت أن أستقبل في مكتب الفحص يوميا عشرات المرضى، من كل الأصناف والألوان والأعمار ، ولسبب مالم أفهم كنهه- عندما رأيت الشيخ والفتاة- مرت علي لحظات كالإغفاءة أحسبها طويلة، لم أشعر فيها بنفسي كطبيب رئيس وحدة صحية، في العقد الرابع من عمري، أجلس زوال هذا اليوم إلى مكتبي وبجانبي كأس شاي سيء المذاق ، ولم انتبه لطنين الدبور الذي لم يمت على ما يبدو، ولم تكن الضربة قاضية بما يكفي لتخريب جهازه الطنان، حيث لا زلت أسمعه كالحشرجة في أحد الأركان..................     يتبع

 

mardi 7 avril 2015

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (04) ــزء الرابع

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (04) ــزء الرابع






كل هذه الأشياء يمكن أن تؤثر بشكل أو بأخر في سوق البيض وتضع على المحك تدبيرا منزليا دقيقا وعريقا.

كما يبني حسابه في حزم على كون ثمن بيض الرومي ضعف ثمن بيض الدجاج، وعلى من سيجد من سماسرة السوق فهم كثّر 


ومختلفون ،منهم من يبخس الناس أشياءهم مع صفاقة وجه وقلة حياء ، يحاصرك ويوقعك في حبائله ولا يدعك إلا وأنت تندب 


حظك التعيس ويومك النّحس، ومنهم من لا يبالي، يأتيك باشّا يعطيك ما تطلبه كثمن ،بل وتدركه الرأفة أحيانا فيزيدك على ما 


أملت ويجعل يومك موفور البركة والسعد.


وهكذا يغلق بإحكام ملف الحساب بعد تحديد نصيبه من الصفقة وبدون أية نسبة للارتياب مزينا ذلك بحسن طالعه ودعاء صاحبة 

البيض المبارك والذي بلا ريب مستجاب.


ويمشي مزهوّا يرفل في أحلامه ،يلوك في فمه ما تبقى من حبة الحلوى بالنعناع التي آثرته بها أمه دون إخوته ، وقد انقشع 


الظلام وبان العشب الأخضر الغض الندي تزينه أزهار الهرفيل والأقحوان والبابونج يخنق الطريق المتعرجة في انحدار ،راسما 


تقاسيم ربيع المقام بريشة سحر فاتن ،وظهرت البيوت كأشباح رابضة ،ترزأ تحت ثقل الصباح تعلوها المداخن وهي تنفث سدول 


ليل بارد طويل، وأقبلت تباشير صبح يوم جميل، تغمر عينيه وأذنيه وقلبه الصغير ورأسه الحالم بسعادة عارمة تدفع به دفعا لان


 يقطع في غير عناء ولا نصب أشواطا من الطريق الطويلة الممتدة بعيدا إلى حيث الأفق لا زالت تزينه الأضواء المتلألئة ،هناك 


حيث السوق والصخب والزحام ، والروائح والأبخرة والسيارات والدواب وكثير من الناس من متأنق ومتشرد، رائح وآت ، 


وهناك حيث الموالون والسماسرة وأطفال المدارس واللصوص الحذاق.


لكن شيئا واحدا لم يجل في خاطره، ولم يدر في خلده أبدا ، ولم يجد له منفذا إلى ترتيباته المحكمة، وتقديراته المضبوطة، ولم 


يكن يتصور أن أمرا ما صادما بغيضا يمكن له أن يعكر صفو يومه البهيج ويخلط حساباته رأسا على عقب في ثوان معدودات.


لم يكد يتجاوز "ثالة ثافواحث" حتى باغته بغدر كلب كان رابضا متخفيا، وبغير عناء أسقطه أرضا ، واختلط الطفل بتلابيبه 


وزوبعة الغبار الثائر، خادعه اللعين وخذلته ساقاه وحذاؤه بالرغم من كونه ذا نتوءات بالأسفل لطالما استعملها كنظام كبح فعال 


،كما خذلته يداه، فاليسرى كانت مدفونة في جيبه ،واليمنى كانت تمسك بعناية كيس البيض المشؤوم الذي لم يجد بدا مع هول 


المفاجأة بان يرمي به سعار الحيوان الهائج ،واختلط الكل بالتبن والبيض في وقت اختلط فيه النور والظلام مع نكهة الحظ العاثر 


واليوم الأسود المرير.


وما كاد الكلب يطبق فكيه بإحكام على عضلة ساقه حتى انتفض مصدرا فحيحا حادا ...وأفاق من غيبوبته.... ، فقد كانت أمه 


تجرب في يأس آخر حيلها في الطب، قامت بإحماء سكين حتى الاحمرار ووضعته بكل عزم ورباطة جاش على عضلة ساقه.... 


،وأخيرا انفرجت أسارير وجهها وغمغمت تحمد الله فقد نجحت وأفاق مرزوق، لكنه ظل ممددا وبقيت عينه اليسرى مفتوحة في 


عناد ،تبين انه مشلول بالكامل والمصيبة أطول بفراسخ مما تصورت المسكينة.....................................يتبع.

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (03) ــزء الثالث

الزلزال (بقلم : الدكتور حسان بلبج) -الــجــــــــ (03) ــزء الثالث





تركته على حاله ممددا وهرعت إلى غرفتها، بحثت طويلا عن تميمة ورثتها عن أمها ، لطالما استعانت بها لدفع النوازل من 

الأمراض وسوء الحظ وأعراض المس والسحر، وعندما وجدتها وضعتها جانبا ،ثم حضّرت خليطا من القطران والسّدر 

ومسحوق الفلفل الأحمر ،كما أحرقت شيئا من البخور في إناء نحاسي ،حملت جميع مستحضراتها وقفلت تتمتم راجعة إلى حيث 

مرزوق شاحبة الوجه زائغة النظرات ،لا تدري بأي شيء دهيت ولا بأي طارق ابتليت.

وضعت البخور عند رأسه ،ودسّت التميمة برفق تحت أثوابه ، ثم تناولت خليط القطران والسّدر بيدها اليسري و غمست 

أصبعين من يدها اليمنى ومسحت بهما ناصيته ومناخيره، وخطت بهما خطوطا متقاطعة حول سرته ، فعلت ذلك عدة مرات 

وشفتاها لا تفتأن تنفتحان وتنغلقان في حركة نشيطة لا تعرف الملل، في حين كان هو ماضيا قدما في غيبوبته، مغادرا منزله 

بالمقام فجر يوم ربيعّي ،سالكا الطريق مُغرّبا، قاطعا الوادي ثم معتليا هضبة "العطوي" ذات التربة البيضاء،ملتفتا من حين لأخر 

في رهبة ووجل إلى أطلال جامع "الشيخ لخضر" حاملا كيسا من البيض المخلوط بالتبن، يتفقده باهتمام وحرص بالغين بين 

الفينة والأخرى.

خمسون بيضة بالتمام، اثنتا عشرة منها بيض ديك رومي ، والباقي حصيلة النشاط الأسبوعي الدؤوب للدجاجات السبع التي 

تملكها أمه كملكية خاصة و مطلقة وسط ملكية أبيه والذي لا يكون له بأي حال من الأحوال حق التصرف أو التدخل فيها إلا بإذن 

شبه كتابي مبهم العوالم شأن كل البيوت في "المقام".

كان ينحشر بسنواته الثّماني في رداء شتوي يتقي به نسيم الصباح البارد ،وينتعل حذاء مطاطيا اسودا ذا عقب اصفر، ومع 

انحدار "انزا نوغيول" تسارعت خطواته ،وسرى دفء بمفاصله، وخدر وارتخاء بجسمه ،جعله ذلك يتفرغ بكل صفاء ذهن 

وهدوء بال –رغم فرقعة الحصى تحت قدميه- إلى أن يعيد العمليات الحسابية الخاصة ببيع البيض في دقة متناهية ،آخذا في 

الحسبان كل الاحتمالات التي يمكن أن تكون عليها بورصة البيض بسوق "الثلاثاء".

فالشتاء الطويل الموحل، وأزمة الثلج التي ألزمت الناس بيوتهم لأسابيع مريرة، وحروب الشرق الأوسط ،وقضية البلقان 

،وتداعيات موت الرئيس، والوباء الشنيع الذي تفشى في دجاج المقام وأتى فيه على أكثر من الثلث مخلفا اضطرابا في 

الميزانيات الأسرية ، وحسرات في الأنفس ،خاصة وأن نفوقه كان يحصل بشكل مأساوي حزين، تأخذ الدجاجة المكتنزة في 

صياح منكر مع بداية النهار،ثم تبدأ في نتف ريشها بجنون ،ولا يحين المساء حتى تأتي على أخره، وينقضي الليل وقد أصبحت

 جثة مزرقّة القوائم والأجنحة، حتى الكلاب والقطط تعافها بصورة مريبة ، لذا يجمع ما نفق من الدجاج في أكياس محكمة الغلق 

،ويرمى بعناية في الوادي أو يطمر اتّقاء للعدوى.........................................يتبع.